لماذا تموت إجتماعات الصلاة في مهدها؟   بقلم القس توفيق مشرقي

يعقوب، في البطن قبض بعقب أخيه وبقوّته جاهد مع الله. جاهد مع الملاك وغلب. بكى واسترحمه وجده
في بيت إيل وهناك تكلّم معنا. هوشع 12: 3 و4

 

عرف الشيطان منذ البداءة أنّ أعظم قوّة تحت السماء تقهره وتخرّب ربعه هي قوّة الصلاة. فقد استهزأ ويستهزئ بالعلم مهما كثر وعظم، بل أنّه لا يزال يستخدم العلم والعلماء كوسائط للخراب. يستهزئ بالمتديّنين الّذين يؤدّون فرائض الدّين كصورة بدون قوّة، كما أنّه لا يمنع أحداً عن قراءة الكتاب المقدّس أو الذّهاب إلى أمكنة العبادة، ولا أن يدرس كتباً دينيّة مهما كانت، ولا أن يصلّي صلاة الفرّيسي الذي لم يرَ في نفسه حاجة إلى الله، بل صلّى كأن الله مدين له وهو صاحب الفضل عليه، لكن...

لكنّ الشيطان يثور ويثير دعايته بين جماعته المنظورين وغير المنظورين عندما يرى المؤمنين يتّحدون بقلب واحد لطلب الرّبّ،إذ يعلم أنّ هذا أمضى سلاح لا يقوى على غلبته؛ ولذا يحاول جهد المستطاع أن يقتل اجتماعات الصّلاة، ويفرّق جماعة المصلّين- ونجح مراراً. كما أنّه لا يزال يخرّب اجتماعات الصّلاة، محارباً إياها بشتّى الوسائل، ولا يهدأ له جنان حتى يراها لا تتلاشى وخصوصاً عندما يرى ميلاً، ولو قليلاً، نحو ذلك بين المصلّين أنفسهم.

آفات اجتماعات الصّلاة كثيرة وإليك بعضها للحذر منها:

1-    من أعظم الشرور التي لا ينتبه إليها المؤمنون أنّ البارزين بين جماعة الله والمنظور إليهم يحتقرون اجتماعات الصّلاة، إذ يظنّ بعضهم أنّ مثل هذه الإجتماعات خاصّة بصغار المؤمنين. أو إن شئت فقل للضّعفاء. فبينما تجد حلقات الصّلاة في شدّتها، تجدهم وقد شغلوا أنفسهم بما يسمّونه الأشياء الهامّة لعمل الله، كأن يقوموا بأعمال تدبيريّة، أو قضاء حاجات خاصّة بالإجتماعات، بينما لو حضروا مع إخوتهم لشجّعوهم وبعثوا فيهم قوّة على الإستمرار، ولاكتشفوا أنفسهم أنّ مشغوليّاتهم باطلة وأن مجهوداتهم بدون أخذ القوّة من الله عصافة تذريها الريح.

2-   إحذروا من كثرة الترانيم في اجتماعات الصّلاة، فطالما أنّ روح الله منسكب، والمؤمنين منسكبون وروح النّعمة والتّضرّعات فائض عليهم، فمن يرنّم في هذه الحالة يضعف قوّة الإجتماع ويفتر روح الصّلاة، ويحوّل تفكير المصلّين، خصوصاً إذا كانوا يرنّمون لمجرّد عذوبة النّغمات لا قوّة معنى التّرانيم وتأثير مضمونها. فتراهم يقضون معظم الوقت في الهيام العاطفي دون التّعمّق في روح الصّلاة، وفي هذا مضيعة للوقت. وإذا ما قاموا من جثوهم تراهم بخداعهم يقولون: " لقد تعزّينا كثيراً اليوم". ولا يعلمون أنّ التعزية الحقيقة إنّما هي في انسكاب القلب بجملته بروح الرّبّ أمام عرش النّعمة، لا في مجرّد التّعزيات العاطفيّة الّتي لا تنطفئ قبل مبارحتهم المكان.

 ولكن أليس من مكان للتّرنيم في اجتماعات الصّلاة؟

جواباً لذلك أقول : يستطيع أن يترنّم المصلّون من آن لآخر بعدد أو اثنين على الأكثر من التّرانيم الّتي من شأنها أن ترفع قلوب المؤمنين، وليحذروا من التّرانيم التي يتلونها لمجرّد عذوبة ألحانها دون المعنى المقصود منها.

وأيضاً إذا فترت روح الصّلاة نوعاً ما، يرنّم الإخوة ترنيمة يرفعون فيها قلوبهم فتتجهّز أكثر للصّلاة، ولكن عندما يكون روح الله منسكباً والمصلّون يتمتّعون بلذّة في الصّلاة، فمن يرنّم لا يحسن إلى المصلّين بل يسيء إليهم.

3-   إحذروا أيّة شوشرة في اجتماعات الصّلاة كأن يقوم أخ ما ويعمل حركة مزعجة، أو يتكلّم شخص مع آخر، أو يعمل بعض الأطفال حركة تشتّت أذهان المصلّين. فإن ثشتيت الذّهن من دأبه أن يطفئ الرّوح. فيا قائد الجماعة المصلّية أضرب بيد من حديد على كلّ ما من شأنه أن بشتّت أذهان المصلّين، فإنّ ذلك من أعمال إبليس الّذي يحيط بجماعة المصلّين ويحاربهم. وأسوأ أنواع الحرب ما يستخدم فيها من المصلّين أنفسهم.

4-   إحذروا من الّذين يطيلون الصّلاة، فإنّ في هذا يخطئ الكثيرون إذ يظنّون أنّ طول الصّلاة أمر له أهمّيّته، ولا يعلمون أنّ من يطيل صلاته في اجتماعات هو أعظم واسطة في يد بليس لسكب مياه مثلجة على نفوس المصلّين. وسبب ذلك أنّه متى شعرت الجماعة بالملل ينطفئ روح الله. فنجد الجماعة وقد رفع بعضهم رؤوسهم، والبعض فتحوا أعينهم، وآخر فتح كتاباً ليقرأ فيه ، وغيره تضجر وتململ، وآخر قام وولّى هارباً. ولذا فآفة اجتماعات الصلاة المخربة، هي إنسان يصلّي صلاة مملّة مطوّلة بدون روح وببرودة، فليعلم مثل هذا أنّ سكوته خير من صلاته.

ولكن ألا توجد صلاة طويلة؟ وهل يجب أن تكون الصلاة دائماً قصيرة؟ لقد أخطأ الناس في تمييز الصّلاة المخدعيّة من الصلاة الإتحاديّة الجمهوريّة. فبالأولى لك يا أخي أن تدخل مخدعك وتغلق بابك وتصلّي ولو إلى  ثلاثة أيّام متوالية بدون انقطاع. أمّا الصلاة الجمهوريّة فيجب أن تكون قصيرة لتعطي فرصة لغيرك أن يشترك معك. وثق تماماً أنّ من يطيلون الصّلوات الباردة هم الّذين قلّت صلواتهم السّريّة في بيوتهم وانعدمت شركتهم مع الله في مخادعهم، ومثلهم كمثل من امتنع عن الطّعام أيّاماً وجلس على مائدة الطّعام مع آخرين فصار يأكل نصيبه ونصيب غيره ولا يراعي حقّ الآكلين معه.

5-  يجب مراعاة غرض الصّلاة بين الجماعة المصلّية: فيحسن أن يتّفقوا على شيء معيّن يصلّون من أجله، أو مواضيع يصلّون من أجله أو ينتظرون استجابتها، ولا يصلّون بدون غرض وبدون هدف.  ونتعلّم هذا من سؤال الرّبّ يسوع للأعمى الّذي صرخ إليه قائلاً : " يا يسوع بن داود ارحمني". وكرّر هذه الصّرخة مراراً وبصوت عالٍ، ولمّا وقف يسوع وطلب أن يستدعوا الأعمى سأله هذا السّؤال العجيب:

"ماذا تريد أن أفعل بك؟"

عجباً لهذا السّؤال!! إلا تراه يا سيّد أعمى البصر يصرخ إليك؟ ولكن السّيّد يحقّ له أن يجيبنا قائلاً " إنّه يقول ارحمني. وأنواع الرحمة كثيرة. ربّما يريد مالاً أو رغيفاً من الخبز، أو جلباباً يرتديه او نجاةً من خصم أو...أو...إلخ." ولكنّ السيّد قصد بسؤاله أن يحدّد الأعمى طلبه. ولمّا قال الأعمى " يا سيّد أريد أن أبصر"قال له الرّبّ " ليكن لك ما تريد" وفي الحال أبصر.

ألا يعمل هذا كثيرون من المصلّين؟!!...أن يصلّوا بدون هدف معيّن؟ ولذا ترى بينهم من يتجوّل في صلاته، طالباً الرّحمة للمرضى والّذين هم في السّجون والملاجئ وللمسافرين برّاً وبحراً وجوّ أو خلاص نفوس سكّان العالم كلّه... صلاة مثل هذه هي كمن يريد أن يصطاد عصفوراً فيرمي آلاف الحجارة لعلّ أحدها يصيب العصفور، بينما واحد منها يكفي للصّيد إذا احسن تصويبه.

إذاً تحديد الغرض له أهمّيّته ليعرف المصلّون موضوع هدفهم الّذي اجتمعوا من أجله، فيصوّبون صلاتهم إلى سماء الله من أجل غرض معيّن متّفق عليه.وصلوات متّحدة لغرض معيّن، لا بدّ وان ترجع محمّلة ببركات الاستجابة.

6-    يجب أن تكون الصّلوات مستندة على مواعيد الله الّذي يسرّ غاية السّرور أن نطالبه بها قائلين" يا ربّ أنت قلت". فإنّه هو الّذي أعطى المواعيد وهو المتعهّد بتنفيذها والحاضر لإتمامها. ولذا فالنّفوس الّتي تغلب في صلواتها هي النّفوس التي تعرف كيف تتمسّك بالله بواسطة مواعيده. 

 والإيمان الثابت المرتكز على الوعد هو الّذي له الحق أن ينال طلبته عاجلاً أم آجلاً.

7-    أقرنوا الصّلاة بالصوم وخصوصاً عند طلب الأشياء الهامّة، فإن الصّوم من شأنه أن يقوّي الإيمان ويضاعف القوّة، فإنّ حقّ لك أن تقول أنّ الصّلاة هي قوّة ديناميتيّة، يحقّ لك أن تقول أنّ الصّلاة المقرونة بالصّوم هي قوّة ذرّيّة. وأقصد بالصّوم ما قصده الله في كتابه: الانقطاع عن الطّعام والشّراب بتاتاً لطلب وجه الرّبّ، وليس بملء المعدة بأنواع معيّنة من الأطعمة.

8-    حاول أن تحضر اجتماعات بعض الأتقياء الملتهبين. فإنّ شخصاً ملتهباً وسط الجماعة المصلّية هو كعود الثّقاب وسط الحزم اليابسة، فيلهب الجماعة ويبعث فيهم روح الصّلاة، وبذلك يشتعل روح النّعمة والتّضرّعات.

9-   ليصلّ المصلّون صلوات قصيرة ، وليصلّوا مرّات عديدة إذا كان عدد الجماعة قليلاً فإنّه لامانع ان يصلّي الفرد بالتهاب قلب أكثر من مرّة ومرّتين، وليتجنّبوا الصّمت الكثير، فإنّ الصّمت الطويل بين مصلّ وآخر من شأنه أن يبرد حرارة المصلّين. فاحتفظ بالمشعل ملتهباً ، ودع نسمات روح الله تلهبه بصلاة الواحد بعد الآخر بسرعة.

10- إقرأ بعض الأجزاء من الكتاب المقدّس الخاصّة بالصّلاة، والإستجابة، والمواعيد عن الصّلاة ، كأن تقرأ مثلاً الجزء الخاص برفع يدي موسى عند محاربة عماليق- خروج 17، صلاة إيليّا ونزول النّار- ا مل 18، صلاة حزقيّا ملك يهوّذا- إش 37 ، وصلاة حنّة أم صموئيل- 1 صم1، وصلاة دانيال- دا ص6 وص 9، وصلاة يونان ص2 ، وصلاة يعقوب ومصارعته مع الملوك – تكوين 32، وصلاة يسوع في البستان- لوقا 32: 39- 46، وإنجيل يوحنا الإصحاحين 14 و15، رسالة يعقوب 1: 1-12، ص 5 ، وهكذا الكثير والكثير جدّاً من الأقوال والمواعيد التي يضيق فينا المجال لذكرها هنا، فإنّ ما ذكرته يسير من كثير. هذا أيضاً مع قراءة بعض الفصول من الكتب الروحيّة وتاريخ حياة بعض الأتقياء، وحوادث استجابة الصّلاة فهذه من الأشياء التي بها تضمن استمرار اجتماعات الصلاة حارّة ، ملتهبة، قويّة، غالبة غير مغلوبة.