دروس إضافية من مدرسة الآلام -2

 المسيح ينمينا من خلال الآلام والدموع

 القراءة: يوحنا 32:11-35
التاريخ: 6/10/1996

 دروس جديدة وإضافية نتعلمها من خلال ضرب الاستقرار في عائلة بيت عنيا، ومنها: أن المسيح ينمّينا من خلال الآلام والدموع. سؤال قديم طالما سأله أولاد الله، وهم تحت الآلام، ومن وراء الدموع: لماذا أنا؟ لماذا غيري ينجح وأنا أفشل؟ لماذا أُعاني مرضاً عُضالاً لا شفاء منه؟ لماذا الكل مستقرّ وأنا مشرّد؟ لماذا أعيش فقيراً أو مُعدماً وغيري في بحبوحة وثراء؟ لماذا ولدي كسيح؟ لماذا أنا أفقد العزيز؟ لماذا هذه الشوكة وملاك الشيطان يلطمني؟ لماذا لا أستطيع أن أتخلّص من هذا الضعف المزمن في حياتي؟ لماذا يسمح الله بكلِّ هذه؟ لكي نتعلم دروساً في حياة الإيمان تكون سبباً في نموّنا.

لا نظن أن الله خصّنا بالآلام وحدنا، يقول الكتاب: "هذه الآلام تجرى على اخوتكم الذين في العالم" (1بطرس 9:5). لكن كل مؤمن خصّه الرب بأنواع معيّنة من الآلام والصعوبات والمحن والتجارب والضيقات. "كثيرة هي بلايا الصديق ومن جميعها ينجيه الرب" (مزمور 19:34).

يعلّم الكتاب عن عمل الآلام في حياتنا، والبركات والفوائد التي يمكن أن نجنيها من مدرسة الآلام هذه: " فإنّ من تألم في الجسد كُفّ عن الخطية"
(1بطرس 1:4). الخطية مشكلة، ونحاول بشتّى الوسائل أن نتخلّص منها، وألاّ نسمح لها بأن تغزو حياتنا. آلام الجسد هي إحدى العلاجات التي تساعدنا على اتخاذ موقف عنيد ضد الخطية، وهو موقف التوبة الدائمة. وما لم تصبح التوبة دائمة في حياتنا فنحن في حاجة إلى الآلام، أي العلاج.

والغاية الأخرى من الآلام هي التأهيل: "تؤهّلون لملكوت الله الذي لأجله تتألمون أيضاً" (2تسالونيكي 5:1). وكأن الآلام تؤهّلنا للملكوت، فهي تزيل من حياتنا ما يجب إزالته، وتُبرز الهدف وتصحح المسيرة. الآلام تعمل فينا ضمن هذه الخطة الإلهية، نحن المخلوقين من أجلها. قد نواجه تجارب محرقة، لكن "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة. لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة" (يعقوب 12:1). "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه" (رومية 17:8). "كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين" (1بطرس 13:4). فنحن إذاً نفرح بالآلام، ونفتخر بالضيقات، "عالمين أن الضيق ينشئ صبراً والصبر تزكية والتزكية رجاءً والرجاء لا يخزي لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رومية 3:5-5).

يكتب الرسول بولس إلى كنيسة تسالونيكي قائلاً: "ينبغي لنا أن نشكر الله كل حين ... لأن إيمانكم ينمو" (2تسالونيكي 3:1). فالإيمان لا ينمو إلا بالممارسة، وتحت الآلام والتجارب. والإيمان الحقيقي ليس عقيدة لكنه سلوك ينمو ويُرى. ينمو في شخصياتنا وينمو في علائقنا. فالحياة الجامدة لا تسمح للإيمان بأن ينمو، لذا يحتاج الى الآلام والدموع لكي تحرك عواطفنا. فمريم لم تبكِ منذ زمن، ولم يكن ما يحرّك عواطفها، لا دموع فرح ولا دموع حزن، والنفس تتقسّى. علينا أن نحب الرب بعواطفنا، ونتحرّك تجاه الخدمة والنفوس بعواطفنا، نقول للخطية لا بعواطفنا ونعيش حياة إيجابية مكرسة للرب بعواطفنا. بكت مريم، لذا "سترين مجد الله" أنتِ وأختك وهذا الشعب كلّه، لأن العاطفة تحركت بل تبدّلت. الله يريد أن يعمل شيئاً جديداً، لكن ليس مع العاطفة الجامدة. والله عنده درس جديد وإعلان جديد لكن ليس لعقولنا من دون عواطفنا. فنحن بشر، ولسنا آلات، نحب الرب من كل النفس ومن كل القدرة، ومن كل القلب.
       المسيح يحرك العاطفة لكي يوقد الذهن. فالذهن البليد لا يمكن أن يتعلّم. قالت له مرثا: "الآن أيضاً أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه" (يوحنا 22:11). بدأ الذهن ينتظر معاملة جديدة. "على مرصدي أقف وعلى الحصن أنتصب وأراقب لأرى ماذا يقول لي وماذا أجيب عن شكواي" (حبقوق 1:2). كثيراً ما نصل إلى أوقات نصبح فيها عاجزين عن استيعاب معاملات جديدة. كأني بمريم تريد أن تقول للمسيح: كل ما نطلبه الآن هو أن تشفي أخانا وتبقيه لنا، والمسيح يبغي معاملة أعمق- سأميته وأقيمه! فإن لم تتوسع مداركنا الروحية، لا مجال لمعاملات جديدة، وبالتالي لا مجال للنمو. أدركنا أشياء كثيرة، لكن هنالك أشياء لم نُدركها بعد. أدركنا معاملات الله معنا لحد الآن، لكن ماذا عن المستقبل؟ هل نبقى نفطن كالأطفال أم صرنا في مرحلة الرجولة؟ هل نبقى نحدّ الرب ضمن حدود تفكيرنا؟ نحن نؤمن بأن المسيح يقدر أن يمنع الموت ويقدر أن يشفي، لكن هل ننمو في معرفة ربنا ومخلصنا الذي يقدر أن يُقيم من الأموات؟

"قال لها يسوع: سيقوم أخوك" (يوحنا 23:11). هل تؤمنين بهذا؟ هل تؤمنين بالمعجزات؟ أنا القيامة وأنا الحياة، وحيثما أكون هنالك معجزات. كيف ننمو في معرفة الله؟ ما هو الدرس؟ ما الغاية؟ إلى أين المصير؟ وتساورنا الشكوك. وأحياناً يغزو الفشل حياتنا فنلجأ إلى الرب، لأنْ ليس لدينا أحد غيره يتعامل معنا بشكل معجزي. علينا أن نمدّ أيدينا باستمرار علّنا نصل إلى عمق محبة الله الفائقة المعرفة، وعلينا أن نظلّ ننتظر معاملات خاصة من الله متوخّين أن نصل إلى عمق النعمة التي أظهرت محبة الله. هنالك مسافات وأشواط واسعة أمام معرفتنا لمحبة الله.

هذه العائلة عرفت المسيح كصديق، لكنها الآن اختبرت معنى الصداقة الحقيقية. اختبرت مواصفات الصديق الصدوق. الصديق الذي يُركن إليه وإلى صداقته. الحاضر أبداً وقت الضيق. ما أصعب أن يشعر الإنسان أنه متروك ووحيد: "جربت القائلين أنهم رسلٌ وليسوا رسلاً فوجدتهم كاذبين" (رؤيا 2:2). جربت هؤلاء الأصدقاء ولكنهم لم يكونوا أصدقاء. لكن يسوع صديق أمين ومحب، وأب حنون. بكى يسوع مع الباكين لأنه محب وعطوف. نحن لا نريد عطاياه فقط لكننا نحتاج إلى من يحنو علينا ويحسّ معنا. فهو العظيم والقدير وبذات الوقت الأب والصديق، لذا نحن نستريح في ظل الحبيب.

مهما كانت الظروف فإلهنا قدير يغيّر الأوضاع. وإن لم يغيّر الأوضاع يغيّرنا نحن حتى نقبل أوضاعنا وتكون بركة لنا. "انتظر الرب واصبر له" (مزمور7:37)، فهو قادر أن يبدّل الأوضاع ويُغيّر الناس. هل نألف أوضاعنا ونظن أن هذا كل ما يستطيع الرب أن يعمله؟ ألا نؤمن بأن الرب يغيّر الناس؟ ألم يعطنا طبيعة جديدة؟ ألم يغيّرنا؟ ألم نصر شركاء الطبيعة الإلهية؟ ألم نحصل على الحياة الأبدية بالإيمان؟ ألا نسير كل يوم في موكب النصرة؟ ألم يسحق إلهنا الشيطان تحت أرجلنا؟ ألم يغلب العالم وأعطانا غلبته؟ ألا يعمل فينا لكي يشكّلنا على شبهه وعلى صورته؟ نتغيّر من صورة إلى صورة حتى نصل إلى تلك الصورة عينها (2كورنثوس 18:3).

أتى صاحب المعجزات، أتى من يُغيّر ولا يتغيّر. ما هو وضعك، ميؤوس منه؟ يسوع يغيّر. مأتم، يصير عرساً. أنتن وله أربعة أيام؟ أقامه وطلب أن يحلّوه ويدعوه يذهب.

هنالك معجزات من خلال الدموع والآلام، فلا نَعِشْ حياة عادية ونرسب في صفوفنا. المسيح لا يقصد أن يعذبّنا من خلال التجارب، بل أن يمتحننا. فهو يضع دموعه مع دموعنا وعواطفه مع عواطفنا وانزعاجه مع انزعاجنا. انزعج يسوع واضطرب وبكى، وغيّر الأوضاع.

إذا لم يوجد فينا نمو أو تغيير، فهذا يعني أنّ هنالك عطلاً أو مانعاً ما، وعلى رأس هذه الموانع، قلة الإيمان، إذ إننا لا نؤمن بأن يسوع قادر أن يعمل في حياتنا ومن خلالنا. "من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها" (يوحنا 12:14). المسيح هو المنتصر الأول والدائم، وهو لا يُغلب ولا يفشل.

نحن في حرب دائمة مع نفوسنا ومع قلة إيماننا، مع شكوكنا واضطراباتنا، مع أعصابنا المتعبَة، ومع ما يُسيطر علينا من أمور مزعجة لا نريدها أن تكون فينا. لكن يا ترى، ما هي النتيجة؟ فالانكسار أمر مُعيب وغير مقبول بالنسبة إلى المسيح. هذه كنيسة المسيح الزاحفة وكلّنا جنود للرب. هنالك عملية تنقية للجيش، "من كان خائفاً ومرتعداً فليرجع وينصرف" (قضاة 3:7). من غرس كرماً ولم يبتكره ... يكن فكره وقلبه هناك، فليرجع. من خطب امرأة ولم يأخذها ... لا يقدر أن يواكب المسيرة، فليرجع. من هو الخائف والضعيف القلب ... يذيب قلوب أخوته، فليرجع (تثنية 6:20-8). هنالك عملية تبديل وتغيير وتنقية مستمرة. ما الفائدة من جيش كبير، وهو خائف. محسوب على الرب لكن لا يشعر بوجود الرب معه، وإن شعر، لا يعرف الرب معرفة حقيقية اختبارية.

كيف ستنتصر يا جدعون؟ ليس بالسيوف بل بالإيمان: يصرخون سيف للرب ولجدعون (قضاة 20:7). ثلاثمئة رجل مؤمنون،"قهروا ممالك ... صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء" (عبرانيين 33:11و34). أليست هذه غلبة المسيح: "عابرين في وادي البكا يصيرونه ينبوعاً. أيضاً ببرركات يُغطّون مورة. يذهبون من قوة إلى قوة. يُرون قدام الله في صهيون" (مزمور 6:84و7).

الرب ينمينا من خلال ما نحن عليه من آلام ومن تجارب. لذا يعلّم الرسول بولس قائلاً: "لأنه قد وُهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضاً أن تتألموا لأجله" (فيلبي 29:1). ثم يُضيف الرسول بطرس بالقول: "لأنكم لهذا دُعيتم فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتّبعوا خطواته" (1بطرس 21:2).

لذا يعلم الكتاب: "فإن الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير" (1بطرس 19:4). ويكتب الرب لملاك كنيسة سميرنا فيقول: "لا تخف البتّة مما أنت عتيد أن تتألم به ... كن أميناً إلى الموت فسأعطيك أكليل الحياة" (رؤيا 10:2). هكذا نعيش مع الرب صديقنا الصدوق والوالد الحنون مطمئنين واثقين بمحبته وبقدرته.

هل نفرح في الآلام؟ هل نفرح في التجارب، وسط الدموع؟ "احسبوه كل فرح يا اخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة" (يعقوب 2:1).

     لذلك يشعر بعض الشباب والشابات بأن الإيمان نير وثقل، وما فيه ليس ذا قيمة مهمة، إذ في العالم أشياء أفضل وأحسن. فالنقص ليس في المسيح، لكن النقص في مجهودنا وفي رغبتنا وقابليتنا أن نتعرف بالمسيح أكثر. فالذي يعيش مع المسيح ويحوّل نظره إلى غير المسيح هو جاهل وكسلان. هل رأى أحسن منه؟ هل تعرّف بشخصية أطيب وأعّز؟ إنه يعيش في واقع مُزْرٍ، لأن من لا يشبعه المسيح، لا شيء في الدنيا يمكن أن يشبعه. ما لم يكن عندنا معرفة جديدة بالمسيح، فنحن نألف المسيح، وتصير شخصيته عادية بالنسبة إلينا. لذلك يوصينا الكتاب بالقول: "انموا في النعمة وفي معرفة ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح" (2بطرس 18:3). حتى النعمة التي خلّصتنا والتي تحفظنا وتحرسنا وتباركنا وتقوّينا وتستخدمنا، تصير نعمة جافة إن كنّا لا ننمو فيها.
   ما لم يوجد نمو، فهنالك موت، وما نعرفه علينا أن نطبّقه. فبعدما علّم المسيح وعلّم وعلّم قال: "من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبّهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر. فنـزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط" (متى 24:7). أمّا عدم معرفة المسيح في العمق فيسبّب لنا الاضطراب. ماحصل لعائلة بيت عنيا لم يكن في الحسبان. دخل المرض، ثم استفحل معاناة وآلاماً، وأخيراً قاد إلى الموت وفقدان العزيز وضرب الاستقرار وحلول الاضطراب.

من يعرف الآب معرفة عميقة لا مشكلة لديه. لقد عرف يسوع الآب معرفة حقيقية، لذا لم تكن لديه أية مشكلة. عندما تركه الجميع عبّر عن شركته العميقة مع الآب فقال: "وتتركونني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي" (يوحنا 32:16). لم تكن لديه أية مفاجآت، لذلك لم يفاجأ، حتى بالموت. فهو يتحكم بالزمن لأن الزمن في يد الآب. والمؤمن الذي عنده معرفة صحيحة بإلهه، "لايخشى من خبر سوء. قلبه ثابت متكلاً على الرب" (مزمور 7:112). فهو يشعر بالراحة والسكينة وعدم الاضطراب، "تعرّف به واسلم. بذلك يأتيك خير" (أيوب 21:22).

عندما تواجهنا المشاكل، علينا أن ندخل إلى المخدع ونجلس مع الرب ونجد حلاًّ لمشكلتنا هناك. عندما كان صاحب المزمور في مأزق صعب ومؤلم مطروداً وتائهاً، دخل إلى المقادس وجلس مع الرب. وهناك لام نفسه لأنه حزين ومضطرب فقال: "لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ؟ ارتجي الله لأني بعد أحمده لأجل خلاص وجهه" (مزمور 5:42). أي لا حَلَّ آخر سوى التعرف بشخصية الله في العمق. عندئذٍ يفيض الفرح في حياتنا ويجري سلامنا كنهر. فلا نفتش عن الحلول في الخارج ونسأل هنا وهنالك، ولا سيما أنّ الشيطان يساعدنا على التفتيش حتى يحّول أنظارنا عن الرب ويبعدنا عن معطي السلام ومحتكره. "لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام" (إشعياء 6:9).

إن الرب يكشف لنا عن شخصيته من خلال معاملاته. فنحن نتعلم من خلال الدموع والمصائب والبلايا؛ وما نتعلمه بشكل نظري، يمكن أن تنسخه نظرية أخرى، لكن ما نختبره يدخل في عظامنا، لذلك يقول المرنم: "جميع عظامي تقول يا رب من مثلك ..." (مزمور 10:35). هل عظامنا تتكلم؟

لقد أعلن المسيح مراراً أنه أتى لكي يعطينا الحياة. "وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل" (يوحنا 10:10). إنه معطي الحياة، لأن "فيه كانت الحياة" (يوحنا 4:1)، و"من له الابن فله الحياة" (1يوحنا 12:5). فالدرس الثاني الذي نتعلّمه من مدرسة الآلام هذه، هو أن المسيح لا يعطي الحياة فقط، بل هو الحياة. وحيثما يكون يسوع لا موت. "إني أنا حيّ فأنتم ستحيون" (يوحنا 19:14). القضية قضية اندماج واتحاد بالمسيح. لقد خلّصنا المسيح بموته وكفارته ودمه كما يقول الكتاب: "لأنه إن كنّا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيراً ونحن مصالَحون نخلص بحياته" (رومية 10:5). وحيث يسوع هناك الحياة. فالسماء تكون سماء لأن يسوع فيها، وان لم يكن فيها يسوع فهي جحيم تفوح منها رائحة الموت. والكنيسة التي ليس فيها يسوع، لا حياة فيها.

المسيح يحاول أن يعلّمنا أن وجوده مهم في حياتنا وكنائسنا وتحركاتنا. لا يكفي أن نسمع عنه ونقرأ عنه ونتكلم عنه ولا حتى أن نخدم باسمه، "أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة". ويصرّح المسيح: "إني لم أعرفكم قط" (متى 22:7و23). أنا لم أعرفكم في العمق، لم تكن بيني وبينكم شركة أو صلة، لم يوجد اندماج واتحاد مع رب الحياة ومصدر الحياة.

أمّا الدرس الثالث فهو أن المسيح لا يقيم الأموات فقط، بل هو القيامة. هو القيامة والحياة. فالكنيسة حيّة ومُقامة: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 6:2). سأل الفريسيون المسيح مرة: "متى يأتي ملكوت الله؟" فأجابهم يسوع: "ها ملكوت الله داخلكم" (لوقا 20:17و21). أي من نال يسوع نال الملكوت، فهو الحياة والقيامة والملكوت.

يجب أن نتعرف به بشكل أعمق، إذ القيامة مرتبطة به، وهو باكورة الراقدين. وبعد هذا فتح ذهن مرثا ففهمت أن يسوع هو المسيح المنتظر وهو رجاؤنا ومحطُّ أنظارنا، فلا نضع رجاءنا على أمور منظورة وأشخاص منظورين. لقد صحح الرب نظرة مريم ومرثا بالنسبة اليه. فهو رجاؤهما الوحيد ومُتّكلهما الأكيد وسندهما المنيع. ولو تأخر، ولو لم يسأل، وحتى لو لم يأتِ فهو ما زال يحبنا وسيظل يحبنا.

دعونا نصحح لاهوتنا المغلوط في بعض الأحيان: فلا نقول للمسيح الذي هو الحياة والقيامة "لو كنت ههنا لم يمت أخي"، لكن أنت الآن هنا. ههنا وهناك وهنالك هي تعابير فارغة من دون فحوى بنظر المسيح.

وهنا نأتي الى الدرس الرابع وهو أن يسوع هو ابن الله، كائن الهي سماوي، قادر على كل شيء موجود معنا في كل زمان ومكان. هل نؤمن هذا الإيمان؟ بعض منا لا يؤمن عملياً بأن المسيح موجود في كل مكان، وأنه يعرف السرائر والخفايا والنوايا، يعرف كل شيء وقادر على كل شيء. يقدر أن يرفع الضعيف، وينشّط الفاتر، ويعلّم الجاهل، ويخلّص الخاطي. هو ابن الله الذي أتى إلى العالم؛ أتى إلينا ولأجلنا. يعمل لحسابنا، يحمل قضايانا وهمومنا ومشاكلنا، شرط أن نوكّله بذلك؛ وعندما نتعرف بالمسيح وبشكل عميق، نسمح له أن يتبنّى أمورنا.

ليت الرب يساعدنا حتى نتعلم هذه الدروس المهمة من مدرسة الآلام المريرة التي اجتازت فيها هذه العائلة.

Back to Devotion