دروس إضافية من مدرسة الآلام -1

فكرة أوضح وأعمق عن شخصية المسيح

القراءة: يوحنا 17:11-27
التاريخ: 22/9/1996

مرحلة صعبة اجتازت فيها عائلة بيت عنيا، مرحلة مخاض ضربت الاستقرار في هذه العائلة وأدخلتها في مدرسة الآلام. ومن خلال هذه المرحلة التي خصّ بها المسيح هذه العائلة المباركة، نستطيع أن نتعلم دروساً إضافية كثيرة. يعلمنا الوحي أن كل ما كُتِب في الكتاب كُتِب لأجل غرض واحد وهو تعليمنا. كخطاة لأجل تعليمنا كيف نخلص، وكمجربين لأجل تعليمنا كيف ننهض من التجربة، وكضعفاء لأجل تعليمنا كيف نتقوى. في أي وضع نوجد فيه هنالك توجيه، ومشورة وتعليم؛ لكن لمن يريد التعلّم ولمن يرغب في الاستفادة.

الدرس الأول الذي نتعلمه في مدرسة الآلام هذه هو: تكوين فكرة أوضح وأعمق عن شخصية المسيح. كأولاد الله صرنا نعرف المسيح، وأصبحت لنا علاقة شخصية به، لكننا سنبقى نكتشف نواحِيَ جديدةً في شخصية المسيح لأنها شخصية غير محدودة.

كان يسوع يحب مريم ومرثا ولعازر، وكان قريباً من هذه العائلة، التي عرفت نواحِيَ كثيرةً وجميلةً في شخصية المسيح، ولكن، وعلى الرغم من كلِّ هذا، فإنّ مريم ومرثا في حاجة إلى التعرّف بشكل أعمق بهوية المسيح؛ إذ اننا كلما اكتشفنا شخصية المسيح بشكل أعمق، كلما تشوقنا أن نتعرف به أكثر، وبالتالي لمنا أنفسنا لأننا كنا نظن أن معرفتنا به كانت وافية.

  سعى الرسول بولس باستمرار لأن يزداد في هذه المعرفة فكان شعاره: "أنا لست أحسب نفسي أني قد أدركت" (فيلبي 13:3). سعى ليعرف المسيح وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته. هناك فرق بين أن نعرف قيامة المسيح وبين أن نختبر قوة القيامة، وبين أن نعرف آلام المسيح وبين أن نختبر شركة آلامه، وبين أن نعرف موت المسيح وبين أن نندمج في هذا الموت عملياً. بكلام آخر: المعرفة المطلوبة هي أكثر من معرفة نظرية، انها معرفة واقعية وعملية. فعندما نتعرف بشخصية المسيح في العمق يصبح هذا الشخص بطلاً في حياتنا، بطلاً يملأ أفكارنا ويسبي عواطفنا. يصبح هدف حياتنا ومحور طموحنا. نعبده ونفرح به ونتعزى برفقته. وإلا تصبح حياتنا ناشفة وجامدة، ويصبح المسيح بالنسبة إلينا تمثالاً من دون حياة، شخصاً خلّصنا من خطايانا في الماضي وانتهى الأمر.

لذلك يشعر بعض الشباب والشابات بأن الإيمان نير وثقل، وما فيه ليس ذا قيمة مهمة، إذ في العالم أشياء أفضل وأحسن. فالنقص ليس في المسيح، لكن النقص في مجهودنا وفي رغبتنا وقابليتنا أن نتعرف بالمسيح أكثر. فالذي يعيش مع المسيح ويحوّل نظره إلى غير المسيح هو جاهل وكسلان. هل رأى أحسن منه؟ هل تعرّف بشخصية أطيب وأعّز؟ إنه يعيش في واقع مُزْرٍ، لأن من لا يشبعه المسيح، لا شيء في الدنيا يمكن أن يشبعه. ما لم يكن عندنا معرفة جديدة بالمسيح، فنحن نألف المسيح، وتصير شخصيته عادية بالنسبة إلينا. لذلك يوصينا الكتاب بالقول: "انموا في النعمة وفي معرفة ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح" (2بطرس 18:3). حتى النعمة التي خلّصتنا والتي تحفظنا وتحرسنا وتباركنا وتقوّينا وتستخدمنا، تصير نعمة جافة إن كنّا لا ننمو فيها.

ما لم يوجد نمو، فهنالك موت، وما نعرفه علينا أن نطبّقه. فبعدما علّم المسيح وعلّم وعلّم قال: "من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبّهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر. فنـزل المطر وجاءت الأنهار وهبّت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط" (متى 24:7). أمّا عدم معرفة المسيح في العمق فيسبّب لنا الاضطراب. ماحصل لعائلة بيت عنيا لم يكن في الحسبان. دخل المرض، ثم استفحل معاناة وآلاماً، وأخيراً قاد إلى الموت وفقدان العزيز وضرب الاستقرار وحلول الاضطراب.

من يعرف الآب معرفة عميقة لا مشكلة لديه. لقد عرف يسوع الآب معرفة حقيقية، لذا لم تكن لديه أية مشكلة. عندما تركه الجميع عبّر عن شركته العميقة مع الآب فقال: "وتتركونني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي" (يوحنا 32:16). لم تكن لديه أية مفاجآت، لذلك لم يفاجأ، حتى بالموت. فهو يتحكم بالزمن لأن الزمن في يد الآب. والمؤمن الذي عنده معرفة صحيحة بإلهه، "لايخشى من خبر سوء. قلبه ثابت متكلاً على الرب" (مزمور 7:112). فهو يشعر بالراحة والسكينة وعدم الاضطراب، "تعرّف به واسلم. بذلك يأتيك خير" (أيوب 21:22).

عندما تواجهنا المشاكل، علينا أن ندخل إلى المخدع ونجلس مع الرب ونجد حلاًّ لمشكلتنا هناك. عندما كان صاحب المزمور في مأزق صعب ومؤلم مطروداً وتائهاً، دخل إلى المقادس وجلس مع الرب. وهناك لام نفسه لأنه حزين ومضطرب فقال: "لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ؟ ارتجي الله لأني بعد أحمده لأجل خلاص وجهه" (مزمور 5:42). أي لا حَلَّ آخر سوى التعرف بشخصية الله في العمق. عندئذٍ يفيض الفرح في حياتنا ويجري سلامنا كنهر. فلا نفتش عن الحلول في الخارج ونسأل هنا وهنالك، ولا سيما أنّ الشيطان يساعدنا على التفتيش حتى يحّول أنظارنا عن الرب ويبعدنا عن معطي السلام ومحتكره. "لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام" (إشعيا 6:9).

إن الرب يكشف لنا عن شخصيته من خلال معاملاته. فنحن نتعلم من خلال الدموع والمصائب والبلايا؛ وما نتعلمه بشكل نظري، يمكن أن تنسخه نظرية أخرى، لكن ما نختبره يدخل في عظامنا، لذلك يقول المرنم: "جميع عظامي تقول يا رب من مثلك ..." (مزمور 10:35). هل عظامنا تتكلم؟

لقد أعلن المسيح مراراً أنه أتى لكي يعطينا الحياة. "وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل" (يوحنا 10:10). إنه معطي الحياة، لأن "فيه كانت الحياة" (يوحنا 4:1)، و"من له الابن فله الحياة" (1يوحنا 12:5). فالدرس الثاني الذي نتعلّمه من مدرسة الآلام هذه، هو أن المسيح لا يعطي الحياة فقط، بل هو الحياة. وحيثما يكون يسوع لا موت. "إني أنا حيّ فأنتم ستحيون" (يوحنا 19:14). القضية قضية اندماج واتحاد بالمسيح. لقد خلّصنا المسيح بموته وكفارته ودمه كما يقول الكتاب: "لأنه إن كنّا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيراً ونحن مصالَحون نخلص بحياته" (رومية 10:5). وحيث يسوع هناك الحياة. فالسماء تكون سماء لأن يسوع فيها، وان لم يكن فيها يسوع فهي جحيم تفوح منها رائحة الموت. والكنيسة التي ليس فيها يسوع، لا حياة فيها.

المسيح يحاول أن يعلّمنا أن وجوده مهم في حياتنا وكنائسنا وتحركاتنا. لا يكفي أن نسمع عنه ونقرأ عنه ونتكلم عنه ولا حتى أن نخدم باسمه، "أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة". ويصرّح المسيح: "إني لم أعرفكم قط" (متى 22:7و23). أنا لم أعرفكم في العمق، لم تكن بيني وبينكم شركة أو صلة، لم يوجد اندماج واتحاد مع رب الحياة ومصدر الحياة.

أمّا الدرس الثالث فهو أن المسيح لا يقيم الأموات فقط، بل هو القيامة. هو القيامة والحياة. فالكنيسة حيّة ومُقامة: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 6:2). سأل الفريسيون المسيح مرة: "متى يأتي ملكوت الله؟" فأجابهم يسوع: "ها ملكوت الله داخلكم" (لوقا 20:17و21). أي من نال يسوع نال الملكوت، فهو الحياة والقيامة والملكوت.

يجب أن نتعرف به بشكل أعمق، إذ القيامة مرتبطة به، وهو باكورة الراقدين. وبعد هذا فتح ذهن مرثا ففهمت أن يسوع هو المسيح المنتظر وهو رجاؤنا ومحطُّ أنظارنا، فلا نضع رجاءنا على أمور منظورة وأشخاص منظورين. لقد صحح الرب نظرة مريم ومرثا بالنسبة اليه. فهو رجاؤهما الوحيد ومُتّكلهما الأكيد وسندهما المنيع. ولو تأخر، ولو لم يسأل، وحتى لو لم يأتِ فهو ما زال يحبنا وسيظل يحبنا.

دعونا نصحح لاهوتنا المغلوط في بعض الأحيان: فلا نقول للمسيح الذي هو الحياة والقيامة "لو كنت ههنا لم يمت أخي"، لكن أنت الآن هنا. ههنا وهناك وهنالك هي تعابير فارغة من دون فحوى بنظر المسيح.

وهنا نأتي الى الدرس الرابع وهو أن يسوع هو ابن الله، كائن الهي سماوي، قادر على كل شيء موجود معنا في كل زمان ومكان. هل نؤمن هذا الإيمان؟ بعض منا لا يؤمن عملياً بأن المسيح موجود في كل مكان، وأنه يعرف السرائر والخفايا والنوايا، يعرف كل شيء وقادر على كل شيء. يقدر أن يرفع الضعيف، وينشّط الفاتر، ويعلّم الجاهل، ويخلّص الخاطي. هو ابن الله الذي أتى إلى العالم؛ أتى إلينا ولأجلنا. يعمل لحسابنا، يحمل قضايانا وهمومنا ومشاكلنا، شرط أن نوكّله بذلك؛ وعندما نتعرف بالمسيح وبشكل عميق، نسمح له أن يتبنّى أمورنا.

ليت الرب يساعدنا حتى نتعلم هذه الدروس المهمة من مدرسة الآلام المريرة التي اجتازت فيها هذه العائلة.

Back to Devotion